منتديات البراء الاسلامية
[center]السلام عليكم

[right]عزيزنا الزائر يرجى التشرف بالدخول للمنتدى ان لم تكن عضو او التسجيل ان لم تكن عضو
وتريد الانضمام الى اسرة المنتدى


شكرا

ادارة المنتدى


منتدى اسلامي دعوي ديني

@ منتديات البراء الاسلامية

الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 همم تعالت عن قمم الجبال ..هكذا كونوا أو لا تكونوا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الاسلام هو الحل
المدير العام
المدير العام
avatar

رقم العضوية : 2110
عدد المساهمات : 306
تاريخ التسجيل : 24/08/2010

مُساهمةموضوع: همم تعالت عن قمم الجبال ..هكذا كونوا أو لا تكونوا   الخميس سبتمبر 16, 2010 11:57 am

لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين ثم أما بعد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أنقل لكم اخوتي اخواتي هذه القصص المسندة عن أناس تفانوا وصدقوا في طلب العلم فحازوا
لذلك فلنحذوا حذوهم عل الله يوفقنا لننهل من العلوم الربانية مثلهم والله الموفق

1 يطلب العلم في عمر الثمانين بهمّة العشرين :

جاء في ذيل طبقات الحنابلة للحافظ ابن رجب في ترجمة الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي البغدادي المقرئ الفقيه الأصولي الواعظ المتكلّم ذي العلوم والفنون أحد الأئمّة الأعلام في الإسلام ومن أفاضل العالم وأحد أذكياء بني آدم ( 431/513) رحمه الله: " ... أنّه كان يقول: إنّي لا يحلّ لي أن أضيع ساعة من عمري، حتّى إذا تعطّل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا منطرح، فلا أنهض إلاّ وقد خطر لي ما أسطِّره، وإنّي لأجد من حرصي على العلم وأنا في عَشر الثّمانين أشدّ ممّا كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.
و أنا أقصّر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتّى أختار سفَّ الكعك وتحسِّيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفُّراً على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه ... " انظر (صفحات من صبر العلماء ) لـ :عبد الفتاح أبو غدّة .

قال تعليقا الأخ أبو ابراهيم
أمّا هذه فهِمَّةٌ تتلاشى دونها الهمم، ويكفيك من العجب الذي فيها، أن يطيش عقلك حيرةً، إذ تجد نفسك تقول ـ وأنت لا تستطيع أن تنبس ببنت شفة ـ في أقصى ما ضمّه صدرك من عمق، أيصدّق مثل هذا !؟ فتجيبك همّة القوم في شموخ ـ وهي لم تزل تكفي أهلها الإجابة ـ : أن نعم، وما تعجّب من تعجّب إلاّ لأنّه استصعب، وأنّى يفوز بالظَّفَر من رضي لنفسه العيشَ بين الحفر .

ما تطعَّمتُ لـذّةَ العيش حتّى صرتُ للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء أعـزّ من العلـم فـما أبتـغي سـواه أنيسـا
إنّما الذّلّ في مـخالطة النّـا س فدعهم وعش عزيزاً رئيسا
ثمّ من لم يصدِّق ذلك ـ تقولُ الهمّةُ ـ كيف سيكون حاله مع الخبر التَّالي :

2 يطلب علماً برأسه في يوم واحد !!! :
جاء في ترجمة الإمام أبي بكر بن الأنباري النحوي، " أنّ جاريةً له سألته عن تفسير رؤيا، فقال لها : أنا حاقن، ثمّ مضى فلمّا كان الغد عاد وقد صار معبِّراً للرّؤيا، وذاك أنّه مضى من يومه، فدرس كتاب الكرمانيّ ـ في تعبير الرّؤيا ـ وجاء... " .
انظر ترجمته في : تاريخ بغداد ( 3/181)، وإنباه الرّواة على أنباء النّحاة للقفطي ( 3/202)، ووفيات الأعيان لابن خلِّكان ( 1/503)، عن طريق ( صور من صبر العلماء) لـ : صلاح الدين محمود السعيد .
قال تعقيبا الأخ أبو ابراهيم
الخبر لا يحتاج إلى تعليق ألبتّة، ثمّ أيُّ صبرٍ هذا الذي يعيش به القوم، بل الصّبرُ لو مُكِّن لنطق، ولو كان عبداً لأبَق .

صَابَر الصّبرَ فاستغاث به الصّبرُ فقال الصّبور يا صبرُ صبرَا
و كأنّي بلسانك أخيَّ قد انعقد ـ وحُقَّ لك ذلك ـ وأنت ترى نفسك أحياناً تعجز عن حلقةِ علمٍ تحضرها، أو صفحةٍ من كتابٍ تقرؤها، والقوم قد حصّلوا علماً برأسه في مقدارٍ من الزّمن تُمضيه أنت بين نومة صباحٍ وأُكلة ليلٍ، ولكن اسمع معي إلى همّة القوم تقصّ عليك خبرها :

دببت للمجد والسّاعون قد بلغوا جُهدَ النّفوس وألقَوا دونه الأُزُرَا
و كـابدوا المجدَ حتّى ملَّ أكثرُهم وعانقَ المجدَ من أوفى ومن صبرا
ثمّ تنصحك وتقول :

لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجدَ حتّى تلعق الصَّبِرا
3 أبو يوسف وتفانيه في طلب العلم
كان الإمام أبو يوسف رحمه الله شديد الملازمة لشيخه أبي حنيفة رحمه الله، لازم مجلسه بين العشرين و الثلاثين سنة،لم تفته فيها صلاة الغداة معه،و لا فارقه في فطر و لا أضحى، إلا من مرض، روى محمد بن قدامة قال: سمعت شجاع بن مخلد قال: سمعت أبا يوسف يقول: مات ابن لي، فلم أحضر جهازه و لا دفنه، و تركته على جيراني و أقربائي مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني "
انظر(مناقب أبي حنيفة للإمام الموفق المكي 3/472 نقلا عن قيمة الزمن ص 31).
قال أخي ابو ابراهيم
إنّما يصل إلى هذه المراتب من وطّن نفسه الصبر و أسكنه حبة قلبه و ترك غيره للجوار،حتى صارت اللذات كلها لو جمعت لم تعن له شيئا في مقابل لذة الطلب، و قد قال أحدهم كاشفاً هذا المعنى بأجلى ممّا قلت ، و بأحلى ممّا سبكت :

سهري لتنقيـح العلوم ألـذ لي *** من وصل غانية و طيب عنـاقِ
و صرير أقلامي على صفحـاتها *** أحلـى من الـدوكاء للعشاقِ
وألـذ من نقـر الفتاة لـدفها *** نقري لألقي الرمـل عن أوراقي
وتمايلي طربـا لحـل عـويصة *** في الدرس أشهى من مدامة ساقِ
يا من يحـاول بالأمـاني رتبتـي***كـم بين مستفل وآخـر راقي
أأبيت سهـران الدجى وتبيتـه *** نومـا و تبغي بـعد ذاك لحاقي
4أبو يوسف والعلم حال الاحتضار
روى القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي ـ و كان تلميذا لأبي يوسف ـ قال : " مرض أبو يوسف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه،فلما أفاق قال لي:يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟قال:لابأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج.
ثم قال: ياإبراهيم؛أيما أفضل في رمي الجمار ـ أي في مناسك الحج ـ أن يرميها راكبا أو ماشيا؟قلت:راكبا. قال: أخطأت،قلت: ماشيا: قال: أخطأت.قلت: قل فيها يرضى الله عنك.
قال: أمّا ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه ماشيا، وأمّا ما كان لا يوقف عنده؛فالأفضل أن يرميه راكبا. ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، و إذا هو قد مات رحمة الله عليه ".
5 ومن تلكم العبر ما روي عن الطبري رحمه الله قبل موته
فلقد روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات أنّه كان بحضرة أبي جعفر الطبري رحمه الله قبل موته،و توفّي بعد ساعة أو أقلّ منها، فذكر له هذا دعاء مأثور عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة و صحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات"(قيمة الزمن 44)
وليعلم اخوتي أن ما كان من منحى أبي يوسف والطبري كان سبيلا لكثير من العلماء
فيروى عن ابن مالك ـ إمام النحو ـ رحمه الله أنّه بلغ من اعتنائه بالعلم حرصه على حفظ عدّة أبيات ـ حدّها بعضهم بثمانية ـ في يوم موته، لقّنه إياها ابنه(قيمة الزمن71)
أولئك أقوام شيّد الله فخرهم … فما فوقه فخر و إن عظم الفخر
قال الأخ أبو ابراهيم
على المؤمن أن يتيقّن أنّ الأمة لا ينفعها طويل اللسان قصير الرأي، و لكن ينفعها حَضَنة العلم و عصبة الفهم و الحلم، ممّن هِجِّيراه في يومه و ليلته :" ربِّ زدني علما".
والله الموفق والمعين
وهو الهادي الى سواء السبيل
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
يتبع

_________________











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://al-baraa.yoo7.com
الاسلام هو الحل
المدير العام
المدير العام
avatar

رقم العضوية : 2110
عدد المساهمات : 306
تاريخ التسجيل : 24/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: همم تعالت عن قمم الجبال ..هكذا كونوا أو لا تكونوا   الخميس سبتمبر 16, 2010 11:58 am


[size=21]الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

نتمم ما ابتدأناه من ذكر بعض السير لأسلافنا علها توقظ الهمم وتكون نصرا لنا في الدنيا وذخرا في الآخرة
والله الموفق
ونسلط الضوء في هذه الأجزاء المعدودة التي سأضعها بين أيديكم بحول الله على ما مضمونه
.لذة التعبد عند السَّلف
ونبتدئ بمن أنار الله به العقول وأيقظ به العزائم بسيد المرسلين , وإمام المتقين , وخاتم النبيين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , الذي ما اكتحلت العيون بمثل رؤيته , ولا شرفت النفوس بمثل صحبته , إِنْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا .
.وَعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ فِي قَصَصِهِ يَذْكُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ - يَعْنِي بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ -قَالَ :

وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو ..كِتَابَهُ
إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ من الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى ..فَقُلُوبُنَا
بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ ..فِرَاشِهِ
إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ ..الْمَضَاجِعُ
بل إن شئت أن تراه قائمًا , أو راكعًا , أو ساجدًا , أو ذاكرًا , في أي ساعة من ليل أو نهار وجدته صلى الله عليه وسلم بأمر الله قائمًا , ولعبادة الله ملازمًا , فقد كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة .
عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ من الْأَيَّامِ شَيْئًا ؟ قَالَتْ : لَا , كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً , وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ ؟!.
ولذلك نرى الصَّحابة رضي الله عنهم ما رأت عيونهم ولا سمعت آذانهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا وهو على طاعة .عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى , من الْبُكَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ , فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ , فَتَحَسَّسْتُهُ فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ , يَقُولُ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ , لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ , فَقَالَتْ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي , إِنِّي لَفِي شَأْنٍ وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ .
وعَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاة مِنْ اللَّيْلِ ؛ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ , صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً .
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ , فَقُلْتُ : يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ , ثُمَّ مَضَى , فَقُلْتُ : يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى , فَقُلْتُ : يَرْكَعُ بِهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا , ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا , يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا , إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ , وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ , وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ , ثُمَّ رَكَعَ , فَجَعَلَ يَقُولُ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ , فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ , ثُمَّ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ , ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ , ثُمَّ سَجَدَ , فَقَالَ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى , فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ .
بل نرى عند الشدائد والصعاب وتغير الزمان , يكون هو أقرب الخلق من الرحمن .
فَعَنْ عَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَومَ بَدرٍ غَيْرَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ , وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا قَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ .
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ , حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ من شِدَّةِ الْحَرِّ , وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَابْنِ رَوَاحَةَ .
سماعه القرآن :
وكان صلى الله عليه وسلم يحب سماع القرآن من غيره .
فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ : لِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ عَلَيَّ , قُلْتُ : آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟! قَالَ : فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ من غَيْرِي , فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ ؛ حَتَّى بَلَغْتُ [فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا من كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا]قَالَ : أَمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ .
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مُوسَى : لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ ؛ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا من مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ.


يتبع بحول الله...


[/size]

_________________











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://al-baraa.yoo7.com
الاسلام هو الحل
المدير العام
المدير العام
avatar

رقم العضوية : 2110
عدد المساهمات : 306
تاريخ التسجيل : 24/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: همم تعالت عن قمم الجبال ..هكذا كونوا أو لا تكونوا   الخميس سبتمبر 16, 2010 12:00 pm

[center]
[size=21]لذة التعبد عند الصحابة رضي الله عنهم


فمهما سطَّر البنان , وتكلم العلماء بكلِّ لسان ؛ فإن سير هؤلاء يعجز عن وصفها إنسان .
فهم أولى بالحديث من قول العباس بن الأحنف عن محبوبته :
وَحَدَّثْتَنِي يَا سَعْدُ عَنْهًا فَزِدْتَنِي جُنُونًا فَزِدْنِي مِنْ حَدِيثِكَ يَا سَعْدُ
فهم مصابيح الدُّجى , وينابيع الرشد والحجى , خصوا بخفي الاختصاص , ونقوا من التصنع بالإخلاص , وهم الواصلون بالحبل , والباذلون للفضل , والحاكمون بالعدل , هم المبادرون إلى الحقوق من غير تسويف , والموفون للطَّاعات من غير تطفيف .

هُم الرِّجَالُ وَعَيْبٌ أَنْ يُقَالَ ..لِمَنْ
لَمْ يَتَّصِفْ بِمَعَانِيَ وَصْفِهم رَجُلُ

ونبتدئ بالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة أجمعين

أبو بكر الصديق :

السّابق إلى التَّصديق , الملقب بالعتيق المؤيد من الله بالتوفيق ,{ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ}[سورة التوبة : 40]
كان رقيق القلب غزير الدَّمع , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ , أَتَاهُ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ , فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ , قُلْتُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي , فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ , فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاة دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاة , وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ , وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ , وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ من تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ , فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ .كان صِدِّيقًا ما اهتز إيمانه ولا تزعزع وجدانه , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ - يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ - فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ : وَاللَّهِ , مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَتْ : وَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ , وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ , فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ , قَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي , طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا . ثُمَّ خَرَجَ , فَقَالَ : أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ ! فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ , فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ , وَقَالَ : أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ , وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ , وَقَالَ[إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ]وَقَالَ [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]قَالَ فَنَشَجَ النَّاس يَبْكُونَ .

عمر بن الخطاب :

الفاروق , ذو المقام الثابت المأنوق , أعلن الله به دعوة الصّادق المصدوق , فجمع الله له بما منحه من الصَّولة ؛ ما نشأت لهم به الدَّولة , كان معارضًا للمبطلين , موافقًا في الأحكام لرب العالمين , كان فارقًا بين الحق والباطل .
فَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ؟- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ , ثُمَّ قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟-ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟-ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا , فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ : كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ , إِنَّ الَّذين عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ , وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ .
ورغم شدته على الكفّار كان على إخوانه رقيق القلب سريع الدَّمع .
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ ؛ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ , فَسَلَّمَ , وَقَالَ : إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ , فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ , فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ , فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَقَالَ : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ - ثَلَاثًا , ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ , فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ : أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ ؟ فَقَالُوا : لَا , فَأَتَى إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ , فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ , حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ , فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ - مَرَّتَيْنِ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ , فَقُلْتُمْ : كَذَبْتَ , وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ :صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ , فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا .
وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقّاصٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِي الله عَنْهُ يَقْرَأُ فِي العَتَمَةِ بسُورَةِ يُوسُف , وأنا في مُؤَخِّرِ الصُّفُوفِ , حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكرُ يُوسُف ؛ سَمِعْتُ نَشِيجَهُ فِي مُؤَخِّرِ الصَّفِّ .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ : هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ .

عثمان رضي الله عنه :

القانت الحيي ذو الهجرتين , الكريم الجواد ذو النورين , كان حظُّه من النَّهار الجود والصيام , ومن الليل السجود والقيام , مبشر بالجنة على بلوى تصيبه .
كان رضي الله عنه يحيي الليل بالقرآن , وثبت أنه قرأ القرآن في ركعة .
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ : قُمْتُ خَلْفَ الْمَقَامِ وَأَنَا أُرِيُد أَنْ لَا يَغْلِبَنِي عَلَيهِ أَحَدٌ تِلْكَ اللَّيلة , فَإِذَا رَجُلٌ يَغْمِزُنِي فَلَمْ ألْتَفِتْ , ثُمَّ غَمَزَنِي فَالْتَفَتُّ , فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفّان رَضِي الله عَنْهُ فَتَنَحَّيْتُ فَتَقَدَّمَ فَقَرَأَ القُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ .
وكان رضي الله عنه رقيق القلب , غزير الدمع , كان أذا رأى قبرًا بكى حتى يرحم .
عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ , فَقِيلَ لَهُ تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلَا تَبْكِي , وَتَبْكِي من هَذَا , فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ , فَإِنْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ , وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ , قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ .
بشَّره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبه ؛ فكان صابرًا محتسبًا حتى لقي ربه .
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ , فَقَالَ : لَأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا . فَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : خَرَجَ وَوَجَّهَ هَا هُنَا , قَالَ : فَخَرَجْتُ عَلَى إِثْرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ , فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ - وَبَابُهَا من جَرِيدٍ -حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ , فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ , وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ؛ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ , فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ , فَقُلْتُ : لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ , فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ , فَقُلْتُ مَنْ هَذَا ؟! فَقَالَ : أَبُو بَكْرٍ , فَقُلْتُ : عَلَى رِسْلِكَ , ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ , فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ , فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ : ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ , فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الْقُفِّ , وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ , ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي , فَقُلْتُ : إِنْ يُرِدْ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا - يُرِيدُ أَخَاهُ - يَأْتِ بِهِ , فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ , فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ , فَقُلْتُ : عَلَى رِسْلِكَ , ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ , فَقُلْتُ : هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُ , فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ , فَجِئْتُ فَقُلْتُ : ادْخُلْ , وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ , فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ , وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ , ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ , فَقُلْتُ : إِنْ يُرِدْ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ , فَجَاءَ إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ , فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ , فَقُلْتُ : عَلَى رِسْلِكَ , فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ , فَقَالَ : ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ , فَجِئْتُهُ , فَقُلْتُ لَهُ : ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ , فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ , فَجَلَسَ وِجَاهَهُ من الشَّقِّ الْآخَرِ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ .

علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

نُور المطيعين , وولي المتقين , وإمام العابدين , من أسرع الصحابة إجابة , وأعظمهم حلما , وأوفرهم علما , وأقومهم قضية , حُرمنا علمه بسبب غلو الشِّيعة فيه وكذبهم عليه -وإلى الله المشتكى , وأما فضائله فقد لاحت في الأفق , وإليك ما قيل بحضرة خصمه ومن لاحت بينهما السيوف - معاوية رضي الله عنه .
دخل ضرار بن ضمرة الكِناني على معاوية , فقال له : صِفْ لي عليًا , فقال أو تعفيني يا أمير المؤمنين , قَالَ : لا أعفيك , قَالَ : أما إذ لا بد ؛ فإنه كان والله بعيد المدى , شديد القوى , يقول فصلا , ويحكم عدلا , يتفجر العلم من جوانبه , وتنطق الحكمة من نواحيه , يستوحش من الدنيا وزهرتها , ويستأنس بالليل وظلمته , كان والله غزير العبرة , طويل الفكرة , يقلب كفه , ويخاطب نفسه , يعجبه من اللباس ما قصر , ومن الطعام ما جشب , كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه , ويجيبنا إذا سألناه , وكان مع تقربه إلينا وقربه منا ؛ لا نكلمه هيبة له , فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم , يعظم أهل الدين ويحب المساكين , لا يطمع القوي في باطله , ولا ييأس الضعيف من عدله , فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ؛ وقد أرخى الليل سدوله , وغارت نجومه يميل في محرابه قابضًا على لحيته يتململ تململ السَّليم , ويبكي بكاء الحزين , فكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربنا يا ربنا يتضرع إليه ثم يقول للدنيا : إلَيَّ تغررَّتِ , إلَيَّ تشوفت , هيهات هيهات , غُرِّي غَيْري , قد بنتك ثلاثًا , فعمرك قصير , ومجلسك حقير , وخطرك يسير , آه آه من قلة الزاد , وبعد السَّفر , ووحشة الطريق .
فوكفت دموع معاوية على لحيته ؛ ما يملكها , وجعل ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء , فقال : كذا كان أبو الحسن رحمه الله , ثم قَالَ : كَيْفَ وَجْدُك عليه يا ضرار ؟ قَالَ : وَجْدُ مَنْ ذُبِحَ وَاحِدُهَا فِي حَجْرِهَا ؛ لَا تَرْقَأُ دَمْعَتُهَا , وَلَا يَسْكُنُ حُزْنُها - ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ .

[size=21]الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

نترجم لبعض من سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين


أبو عبيدة ابن الجراح :

أبو عبيدة الأمين الرَّشيد , والقائد السَّديد اختاره عمر ؛ وهو يتمنى ملأ مكانه رجالًا كأبي عبيدة .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا , وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ .
دخل عمر بن الخطاب على أبي عبيدة بن الجراح , فإذا هو مضطجع على طنفسة رحله متوسدًا الحقيبة , فقال له عمر : ألا اتخذت ما اتخذ أصحابك ؟! فقال : يا أمير المؤمنين هذا يبلغني المقيل .
وعن عمر بن الخطاب أنه قَالَ لأَصْحَابِهِ : تَمَنُّوا , فقال رجل : أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله , ثم قَالَ : تَمَنُّوا , فقال رجل : أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤا وزبرجدًا وجوهرًا ؛ أنفقه في سبيل الله وأتصدق , ثم قَالَ : تَمَنُّوا , فقالوا : ما ندري يا أمير المؤمنين , فقال عمر : أتمنى لو أن هذه الدّار مملوءة رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح .

معاذ بن جبل :

مقدام العلماء , وإمام الحكماء !!!
قَالَ ابن مسعود رضي الله تَعَالَى عنه : إن معاذ بن جبل رضي الله تَعَالَى عنه كان أمة قانتًا لله حنيفًا , فقيل له : إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ! فقال : ما نسيت , هل تدرون ما الأمة وما القانت ؟ ! الأمة الذي يُعَلِّم الخير , والقانت المطيع لله وللرسول , وكان معاذ يُعَلِّم النَّاس الخير , ومطيعًا لله ولرسوله .
وكان معاذ بن جبل شابًا جميلًا سمحًا من خير شباب قومه , لا يُسأل شيئا إلا أعطاه , حتى أدان دينا أغلق ماله , فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلم غرماءه ففعل , فلم يضعوا له شيئًا , فلو ترك لأحد لكلام أحد لترك لمعاذ لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم , فدعاه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يبرح حتى باع ماله وقسمه بين غرمائه , فقام معاذ لا مال له , فلما حجَّ بعثه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن ليجبره , وكان أول من حجز عليه في هذا المال معاذ , فقدم على أبي بكر رضي الله تَعَالَى عَنْهُ من اليمن وقد تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم
قَالَ أبو نعيم : وغُرماء معاذ كانوا يهودًا فلهذا لم يضعوا عنه شيئًا .
فلما قبض النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستخلفوا أبا بكر , فاستعمل أبو بكر عمر على الموسم فلقي معاذًا بمكة ومعه رقيق , فقال : هؤلاء أهدوا لي وهؤلاء لأبي بكر , فقال عمر : إني أرى لك أن تأتي أبا بكر , قَالَ فَلَقِيه من الغد , فقال : يا ابن الخطاب ! لقد رأيتني البارحة وأنا أنزوي إلى النار وأنت آخذ بحجزتي , وما أراني إلا مطيعك , فأتى بهم أبا بكر , فقال : هؤلاء أهدوا لي وهؤلاء لك , قَالَ : فإنا قد سلمنا لك هديتك , فخرج معاذ إلى الصَّلاة ؛ فإذا هم يُصلون خلفه , فقال : لمن تصلون هذه الصَّلاة ؟ قالوا لله عز وجل , قَالَ : فأنتم لله فأعتقهم .
وعن معاذ رحمه الله تَعَالَى لَمّا أن حضره الموت , قَالَ : انظروا أصبحنا ؟ فأتى , فقيل : لم تصبح , قَالَ : انظروا أصبحنا ؟ فأتي فقيل :لم تصبح حتى أتى في بعض ذلك , فقيل له : قد أصبحت , قَالَ : أَعُوذُ بالله من ليلة صباحها إلى النار , مرحبًا بالموت , مرحبًا زائر مغيب , حبيب جاء على فاقة , اللهم إني قد كنت أخافك , فأنا اليوم أرجوك , اللهم أن كنت تعلم أني لم أكن أحب الدُّنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار , ولا لغرس الشَّجر , ولكن لظمأ الهواجر , ومكابدة السّاعات , ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

بين أبي عبيدة ومعاذ :

وقد أراد عمر رضي الله عنه أن يوقع اختبارًا - بعد أن فتحت الدنيا , على أبي عبيدة ومعاذ رضي الله عنهما , ليختبر حال الأمراء والعلماء .
وروي أن عمر رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار , فقال لغلام له : أذهب بها إلى أبي عبيدة , ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع , قَالَ : فذهب بها الغلام , فقال : يقول لك أمير المؤمنين : خذ هذه , فقال : وصله الله ورحمه , ثم قَالَ : تعالي يا جارية ! اذهبي بهذه السَّبعة إلى فلان , وبهذه الخمسة إلى فلان , حتى أنفذها , فرجع الغلام إلى عمر وأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل ؛ فأرسله بها إليه , فقال معاذ : وصله الله , يا جارية ! اذهبي إلى بيت فلان بكذا , ولبيت فلان بكذا , فاطلعت امرأة معاذ , فقالت : ونحن والله مساكين فأعطنا , ولم يبق في الخرقة إلا ديناران , فدحا بهما إليها , ورجع الغلام فأخبر عمر فسر بذلك , وقال : إنهم إخوة بعضهم من بعض .
وهذه القصة تبين فطنة عمر في اختباره لحال الأمراء والعلماء , فبهم صلاح الأمة إن صلحوا , وفسادها إن فسدوا .

أبو موسى الأشعري :

كان رحمه الله بالقرآن مترنما وقائما , وفي طول الأيام طاويًا وصائمًا , صاحب القراءة والمزمار .
عن أبي سلمة : كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى , ربما قَالَ لَهُ ذَكِّرنا يا أبا موسى , فيقرأ .
عن أبي إدريس عائذ الله قَالَ : صَامَ أبو موسى الأشعري حتى عاد كأنه خلال , فقيل له : يا أبا موسى لو أجممت نفسك , قَالَ : إجمامها أريد , أني رأيت السّابق من الخيل المضمر , وربما خرج من منزله فيقول لامرأته شُدِّي رحلك , ليس على جهنم معبر .
وكان رحمه الله شجاعًا بطلًا مغوارًا لا يخشى بأسًا ولا يعبأ بعدو .
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ , بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ , فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ , قَالَ أَبُو مُوسَى : وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ , رَمَاهُ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ , فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ , فَقُلْتُ : يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ ؟ فَأَشَارَ إِلَىَّ , فَقَالَ : ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ , فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ , وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ : أَلَا تَسْتَحْيِي ؟ أَلَا تَثْبُتُ ؟ فَكَفَّ , فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ , ثُمَّ قُلْتُ لِأَبِي عَامِرٍ : قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ قَالَ : فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ , قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ! أَقْرِئْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامَ , وَقُلْ لَهُ : اسْتَغْفِرْ لِي . وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاس , فَمَكُثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ , فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ ؛ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ , فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ , وَقَالَ : قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي , فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ , وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ من خَلْقِكَ من النَّاس , فَقُلْتُ : وَلِي فَاسْتَغْفِرْ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ , وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا .
واجتهد الأشعري قبل موته اجتهادًا شديدًا , فقيل له لو أمسكت ! ورفقت بنفسك بعض الرفق , قَالَ : إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها , أخرجت جميع ما عندها , والذي بقي من أجلي أقل من ذلك , فلم يزل على ذلك حتى مات .
قَالَ الذَّهبي : وكان أبو موسى صوَّامًا قوَّامًا , ربانيًا زاهدًا عابدًا , ممن جمع العِلْمَ والعمل والجهاد , وسلامة الصَّدر , لم تُغيره الإمارة ولا اغتر بالدُّنيا .

بين معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري :

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ , قَالَ : وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ -قَالَ وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ - ثُمَّ قَالَ : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا , وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا , فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ , وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا من صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَسَارَ مُعَاذٌ فِي أَرْضِهِ قَرِيبًا من صَاحِبِهِ أَبِي مُوسَى , فَجَاءَ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ! كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا , قَالَ : فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ ؟ قَالَ : أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي من النَّوْمِ , فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي .


عبد الله بن عمر :
المتعبد المتهجد المتتبع للأثر , كادت أن تكون له الخلافة فصانه الله وحفظه من الفتن , قَالَ نَافِعٌ : دخل ابن عمر الكعبة فسمعته يقول وهو ساجد : قد تعلم ما يمنعني من مزاحمةِ قريش على هذه الدنيا إلا خوفك .
وعن سعيد بن جبير قَالَ : رَأَيْتُ ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد وغيرهم كانوا يرون أنه ليس أحد منهم على الحال التي فارق عليها محمد صلى الله عليه وسلم ؛ غير ابن عمر .
وكان لعبد الله بن عمر مِهْرَاسٌ فيه ماء , فيصلى ما قُدِّر له , ثم يصير إلى فراشه فيغفى إغفاء الطَّائر , ثم يقوم فيتوضأ , ثم يصلي , ثم يرجع إلى فراشه , فيغفى إغفاء الطَّائر , ثم يثب فيتوضأ , ثم يصلي , فيفعل ذلك في الليلة أربع مرات , أو خمسًا .
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه أنه تلا : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا من كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [سورة النساء : 41] فجعل ابن عمر يبكي حتى لصقت لحيته وجيبه من دموعه , فأراد رجل أن يقول لأبي : أقصر فقد آذيت الشيخ .
وعن نافع , كان ابن عمر إذا قرأ : {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [سورة الحديد : 16] بكى حتى يغلبه البكاء .
وقيل لنافع : ما كان يصنع ابن عمر في منزله , قَالَ : لا تُطِيقونه , الوضوء لكلِّ صلاة , والمصحف فيما بينهما .
عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قَالَ : تَلَوْتُ هذه الآية :{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [سورة آل عمران 3/92] فذكرت ما أعطاني الله تَعَالَى , فما وجدت شيئًا أحبَّ إلي من جاريتي رضية , فقلت : هي حرة لوجه الله عزَّ وجل ؛ فلولا أني لا أعود في شيء جعلته لله عز وجل لنكحتها ؛ فأنكحها نافع فهي أم ولده .
عن نافع قَالَ : كَانَ ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قرَّبه لربه عزَّ وجل . قَالَ نافع : وكان رقيقه قد عرفوا ذلك منه , فربما شمر أحدهم فيلزم المسجد ؛ فإذا رآه ابن عمر رضي الله تَعَالَى عنه على تلك الحالةِ الحسنة أعتقه فيقول : له أصحابه يا أبا عبد الرحمن ! والله ما بهم إلا أن يخدعوك , فيقول ابن عمر : فمن خدعنا بالله عز وجل تخدَّعنا له , قَالَ نافع : فلقد رأيتنا ذات عشية وراح ابن عمر على نجيب له قد أخذه بمالٍ عظيم ؛ فلما أعجبه سيره أناخه مكانه , ثم نزل عنه , فقال : يا نافع انزعوا زِمامه ورحله , وجللوه وأشعروه , وأدخلوه في البدن .
وعن ابن سيرين أن رجلًا قَالَ : لابن عمر أعمل لك جَوَارِش , قَالَ : وما هو ؟ قَالَ : شيء إذا كَظَّك الطَّعام فأصبت منه سهل , فقال : ما شبعت منذ أربعة أشهر , وما ذاك أن لا أكون له واجدا , ولكن عهدت قومًا يشبعون مرة , ويجوعون مرة .
قَالَ الذَّهبي : وأين مثل ابن عمر في دينه , وورعه , وعلمه , وتألهه , وخوفه , من رجل تعرض عليه الخلافة فيأباها , والقضاء من مثل عثمان فيرده , ونيابة الشّام لعلي فيهرب منه , فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب .

عبد الله بن عباس :
بدر الأحبار , والبحر الزَّخار , دعوة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالفقه والتفسير .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا , قَالَ : مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ فَأُخْبِرَ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ .
وعن أبي وائلٍ قَالَ : خطبنا ابن عباس وهو أمير على الموسم , فافتتح سورة النُّور , فجعل يقرأ ويفسر , فجعلت أقول : ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا , لو سمعته فارس والرُّوم والترك ؛ لأسلمت .
عن ابن أبي مُليكة قَالَ : صَحِبت ابن عباس من مكة إلى المدينة , فكان إذا نزل قام شطر الليل , فسأله أيوب السَّخْتِياني كيف كانت قراءته ؟ قَالَ قَرَأ : {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } [سورة ق : 19] فجعل يرتل , ويكثر في ذلك النَّشيج .
عن ابن أبي مليكة قَالَ : صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة , فكان يصلي ركعتين ؛ فإذا نزل قام شطر الليل ويرتل القُران حرفًا حرفًا , ويكثر في ذلك من النَّشيج والنَّحيب .
عن أبي رجاء قَالَ : رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشِّراك البالي من البكاء .

أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب :
ابن عَمِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخوه من الرَّضاعة , ولقد أحبه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد طول عداء ؛ وشهد له بالجنة , وقال : أرجو أن يكون خلفًا من حمزة , وقيل : إنه لم يرفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حياءً منه منذ أسلم .
ولما احتضر أبو سفيان قَالَ : لا تبكوا علي فإني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت .
وعن سعيد بن المسيب : أن أبا سفيان بن الحارث كان يصلي في الصَّيف نصف النهار حتى تكره الصَّلاة , ثم يصلي من الظهر إلى العصر .
عن سعيد بن عبيد الثقفي قَالَ : رَمَيْتُ أبا سفيان يوم الطّائف فأصبت عينه فأتى النبي فقال : هذه عيني أصيبت في سبيل الله , قَالَ : إن شئت دعوت فَرُدَّت عليك , وإن شئت فالجنة , قَالَ : الجنة .

عبد الله بن رواحة :
المتفكر عند نزول الآيات المتصبر عند تناول الرّايات ,نعاه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم قتل ؛ وهو على منبره صلى الله عليه وسلم بالمدينة .
لما أراد ابن رواحة الخروج إلى أرض مؤتة من الشّام ؛ أتاه المسلمون يودعونه فبكى , فقالوا له : ما يبكيك ؟! قَالَ : أما والله ما بي حب الدنيا , ولا صبابة لكم , ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية : {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)} [سورة مريم : 71]فقد علمت أني وارد النار , ولا أدري كيف الصُّدور بعد الورود .
وقيل تزوج رجل امرأة ابن رواحة , فقال لها : تدرين لم تزوجتك ؟! لتخبريني عن صنيع عبد الله في بيته , فذكرت له شيئًا لا أحفظه غير أنها قالت : كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين , وإذا دخل صلى ركعتين ؛ لا يدع ذلك أبدًا .
وعن سليمان بن يسار أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ ابن رواحة إلى خَيْبَر , فَيُخَرِّص بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُود , فَجَمَعُوا حُلِيَّا مِنْ نِسَائِهم , فقالوا : هَذَا لك وخَفِّفْ عَنّا , فقال : يا معشر يهود ! والله إنكم لمن أبغض خَلْقِ الله إلي , وما ذاك بِحَامِلي على أن أَحِيف عليكم , والرِّشوة سُحت , فقالوا : بهذا قامت السَّماء والأرض .
وعن بكر بن عبد الله المزني قَالَ : لَمّا نَزَلَتْ هذه الآية :"وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا"ذهب عبد الله بن رواحة إلى بيته فبكى , فجاءت امرأته فبكت , وجاءت الخادم فبكت , وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون , فلما انقطعت عبرته قَالَ : يا أهلاه ما الذي أَبْكَاكُم ؟! قالوا : لا ندري ! ولكن رأيناك بكيت فبكينا , قَالَ : إِنَّه أنزلت على رسول الله آية , يُنبئني فيها ربي عز وجل أني وارد النّار , ولم ينبئني أني صادر عنها , فذلك الذي أبكاني .
وإن عبد الله بن رواحة أتى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يخطب , فسَمِعه وهو يقول : اجلسوا فجلس مكانه خارج المسجد ؛ حتى فرغ من خطبته , فبلغ ذلك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : زَادَك الله حِرْصًا عَلَى طَواعِية الله ورسوله .
وإن عبد الله بن رواحة قَالَ حِينَ أَخَذَ الرّاية يومئذ :

أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلَنَّه
طَائِعَةً أَوْ iiلَتُكْرِهَنَّه
إِنْ أَجْلَبَ النَّاس وَشَدُّوا الرَّنَّه
مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ iiالْجَنَّه
قَدْ طَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّه
هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّه

قَالَ ابن إسحاق وقال أيضًا :

يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي iiتَمُوتِي
هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ لَقِيتِ
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ iiأُعْطِيتِ
إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا iiهُدِيتِ


وَإِنْ تَأَخَّرْتِ فَقَدْ
iiشَقِيتِ

يُريد جعفرًا وزيدًا رضي الله عنهما , ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قُتل .
وقبل أن ينزل أتاه ابن عمه بعظم من لحم , فقال : شُدَّ بهذا صلبك فإنك قد لاقيت من أيامك هذه ما قد لقيت , فأخذه من يده ثم انتهش منه نهشة , ثم سمع الحطمة في ناحية النَّاس , فقال : وأنت في الدنيا , ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه ؛ فتقدم فقاتل حتى قتل رضي الله تَعَالَى عنه .

تميم بن أوس الداري :
صلى ليلةً حتى أصبح أو كاد يقرأ آية يرددها ويبكي : {أَمْ حَسِبَ الَّذين اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)} [سورة الجاثية : 21]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

نعود لترجمة أسلافنا يقينا منا أنه لا يصلح حالنا الا بما صلح به سلفنا
علما منا أنه لا يصلح آخر هذه الأمة الا بما صلح به أولها


ونذكر في هذه الصفحة بعضا من الصحابيات الجليلات اللواتي كن سبا في عز الاسلام ونصرة الموحدين وفي وصول الاسلام الينا ونختار منهن رضي الله عنهن جميعا

.

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي يطعن فيها الروافض أعداء الدين واخوان اليهود والنصارى الصليبين:
الصِّديقة بنت الصديق , أفقه نساء الأمة على الإطلاق ,والمبرأة من فوق سبع سماوات رضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين.
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ : كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ من رَمَضَانَ , فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ , الشُّغْلُ من النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .وقال أحد الرواة : فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فلما تُوفي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت تصوم الدَّهر .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِها : إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ , ثُمَّ الْهِلَالِ , ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ , وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ , فَقُلْتُ : يَا خَالَةُ ! مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ؟ قَالَتْ : الْأَسْوَدَانِ : التَّمْرُ وَالْمَاءُ ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ من الْأَنْصَارِ , كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ , وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا .
عن عروة بن الزبير قَالَ : كانت عائشة تقسم سبعين ألفًا , وهي ترقع درعها .
عن أم ذَرَّة قالت : بعث ابن الزبير إلى عائشة بمالٍ في غرارتين , يكون مائة ألف , فدعت بطبق ؛ فجعلت تقسم في النَّاس , فلما أمست قالت : هاتي يا جارية فَطُوري , فقالت أم ذرة : يا أم المؤمنين ! أما استطعت أن تشتري لنا لحمًا بدرهم , قالت : لا تعنفيني لو ذكرتيني لفعلت .
ومرت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية : {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)} [سورة الطور : 27] فقالت : اللهم من علينا وقنا عذاب السَّموم , إنك أنت البر الرحيم , فقيل للأعمش : في الصَّلاة , فقال : في الصَّلاة .

أسماء بنت أبي بكر :
ذات النِّطاقين العابدة الصابرة المحتسبة , جعلت من نطاقها سفرة للنبي صلى الله عليه وسلم .
عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ , قَالَتْ : فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ , فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ : وَاللَّهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي , قَالَ : فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ , وَبِالْآخَرِ السُّفْرَةَ , فَفَعَلْتُ . فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ .
وكانت عظيمة الولاء شديدة الاتباع , منعت نفسها عن أُمِّها حتى تعلم أيرضى رسول الله أم لا !!
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ : قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قُلْتُ : وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ .
وكانت شجاعة مهيبة , لا تخشى بأسًا , قَالَ هشام بن عروة : كثر اللُّصوص بالمدينة , فاتخذت أسماء خِنْجَرًا زمن سعيد بن العاص : كانت تجعله تحت رأسها , فقيل لها ما تصنعين بهذا ؟ قالت : إن دخل علي لصٌ بعجت بطنه - وكانت عَمْياء .
وكانت عظيمة القدر شديدة المراس , احتسبت ولدها قبل قتله عند الله سبحانه وتعالى .
عن عُروة بن الزبير قَالَ : دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء قبل قتل ابن الزبير بعشرِ ليال , وإنها وَجِعَةٌ , فقال عبد الله : كيف تجدينك قالت : وجعة , قَالَ : إِنَّ في الموت لعافية . قالت : لعلك تَشْتَهِي موتي فلذلك تتمناه ؟! فلا تفعل ! فالتفتت إلى عبد الله فضحكت , وقالت : والله ما أشتهي أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك : إما أن تُقْتَل فأحتسبك , وإما أن تظفر فتقر عيني عليك , وإياك أن تعرض خطة فلا توافق , فتقبلها كراهية الموت , وإنما عني ابن الزبير أن يُقْتَل فيحزنها ذلك - وكانت ابنة مائة سنة .
ولما قُتل وصلب كانت صابرةً محتسبة , ولم تخش من صولة الحجاج وبطشه , بل واجهته بما لا يحب .
عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ قَالَ : رَأَيْتُ عَبْدَ

_________________











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://al-baraa.yoo7.com
الاسلام هو الحل
المدير العام
المدير العام
avatar

رقم العضوية : 2110
عدد المساهمات : 306
تاريخ التسجيل : 24/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: همم تعالت عن قمم الجبال ..هكذا كونوا أو لا تكونوا   الخميس سبتمبر 16, 2010 12:02 pm

الربيع بن خُثَيْم :
المخبت الورع , المعترف بذنبه , المفتقر لربه , أحد العبّاد الزهاد .

[size=21]وكان الربيع بن خُثَيْم : إذا دخل على عبد الله بن مسعود , لم يكن عليه إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه , فقال له عبد الله : يا أبا يزيد لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك , وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين .
وكان رحمه الله عظيم الصبر , سريع الاحتساب .
خرج الربيع بن خُثَيْم يوما فلما انتهى إلى مسجد قومه , قالوا له : يا ربيع لو قعدت فحدثتنا اليوم , قَالَ : فَقَعَد , فجاء حجر فشجه , فقال : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف .
وكان الرَّبيع إذا قيل له : كيف أصبحت يا أبا يزيد ؟ يقول : أصبحنا ضُعفاء مذنبين , نأكل أرزاقنا , وننتظر آجالنا .
وكان رحمه الله عظيم التأثر , سريع الاعتبار .
قَالَ إبراهيم التيمي : حدثني من صحب ربيع بن خُثَيْم عشرين سنة , أنه ما تكلم بكلام منذ عشرين سنة , إلا بكلمة تصعد , وما سمع منه كلمة عتاب .
وكان الرَّبيع بعدما سَقَطَ شِقه ؛ يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه , وكان أصحاب عبد الله يقولون : يا أبا يزيد , لقد رخص الله لك , لو صليت في بيتك ؟! فيقول : إنه كما تقولون , ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح , فمن سمع منكم ينادي حي على الفلاح ؛ فليجبه , ولو زحفًا , ولو حبوا.
وكانت أم الربيع بن خُثَيْم تنادي ابنها الربيع , فتقول : يا بني ! يا ربيع ! ألا تنام ؟! فيقول : يا أمّاه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات ؛ حق له أن لا ينام , فلمّا بلغ ورأت ما يلقى من البكاء , والسَّهر نادته , فقالت : يا بني لعلك قتلت قتيلًا ؟ فقال : نعم يا والدة , قد قتلت قتيلًا , قالت : ومن هذا القتيل يا بني حتى يُتحمل على أهله فيعفون ؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء , والسَّهر بعد ؛ لقد رحموك , فيقول : يا والده ! هي نفسي .
وقالت ابنة الربيع للربيع : يا أبت لم لا تنام والناس ينامون ؟ فقال : إن البيات في النار ؛ لا يدع أباك أن ينام .
قيل للربيع ابن خُثَيْم : ألا ندعوا لك طبيبًا ؟! قَالَ : أَنْظِروني فتفكر ثم قَالَ : " وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا " قَالَ : فذكر حرصهم على الدُّنيا ورغبتهم , وما كانوا فيها , وقال : قد كانت فيهم أطباء , وكان فيهم مرضى , فلا أرى المداوي بقى , ولا أرى المداوى , وأهلك النّاعت والمنعوت , لا حاجة لي فيه .
عن أبي وائل قَالَ : خرجنا مع عبد الله بن مسعود , ومعنا الرَّبيع بن خُثَيْم , فمررنا على حداد , فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النَّار , فنظر ربيع إليها فتمايل ليسقط , فمضى عبد الله حتى أتينا على أتون على شاطئ الفُرَات ؛ فلمّا رأى عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية {إِذَا رَأَتْهُم من مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) } [ سورة الفرقان : 12-13 ] قَالَ : فصعق الرَّبيع ؛ فاحتملناه فجئنا به إلى أهله , قَالَ : ثم رَابطه إلى المغرب فلم يفق , ثم إنه أفاق ؛ فرجع عبد الله إلى أهله .
وعن عبد الرحمن بن عجلان قَالَ : بِتُّ عند الرَّبيع بن خُثَيْم ذات ليلة , فقام يُصَلِّي فمر بهذه الآية : {أَمْ حَسِبَ الَّذين اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) }[ سورة الجاثية : 21 ]
فمكث ليلته حتى أصبح , ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاءٍ شديد .
وكان الرَّبيع يقول : أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله , ولما احتضر الربيع ؛ بكت ابنته , فقال : يا بنية , لم تبكين ؟ قولي : يا بشراي أتى الخير .
عطاء بن أبي رباح :
الإمام العلم , فقيه الحرم , مفترش الجنبين لا يعبأ بالألم , الذي دَلَّ عليه ابن عمر لما نزل البيت مستلم .
عن سعيد بن أبي الحسن البصري قَالَ : قَدِمَ ابن عمر مكة , فسألوه . فقال : تجمعون لي المسائل ؛ وفيكم عطاء بن أبي رباح .
قَالَ ابن جريج : كان المسجد فِراش عطاء عشرين سنة , وكان من أحسن النَّاس صَلاة .
قَالَ الأصمعي : دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك , وهو جالس على السَّرير , وحوله الأشراف , وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته , فلما بصر به عبد الملك , قام إليه وسلم عليه , وأجلسه معه على السَّرير , وقعد بين يديه , وقال : يا أبا محمد ما حاجتك ؟ قَالَ : يا أمير المؤمنين , اتق الله في حرم الله , وحرم رسوله , فتعاهده بالعمارة , واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار , فإنك بهم جلست هذا المجلس , واتق الله في أهل الثغور , فإنهم حصن المسلمين , وتفقد أمور المسلمين , فإنك وحدك المسئول عنهم , واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم , ولا تغلق دونهم بابك , فقال له : أفعل , ثم نهض وقام , فقبض عليه عبد الملك , وقال : يا أبا محمد , إنما سألتنا حوائج غيرك , وقد قضيناها , فما حاجتك ؟ قَالَ : ما لي إلى مخلوق حاجة , ثم خرج , فقال عبد الملك : هذا وأبيك الشَّرَف , هذا وأبيك السُّؤدد .
وعن عَطِاءٍ قَالَ : لو ائتمنت عَلَى بَيْتِ مَالٍ لكنت أمينًا , ولا آمن نَفْسِي على أَمَةٍ شَوْهاء .
قُلت -أي الذَّهبي : صدق رحمه الله ففي الحديث ؛ "أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ .
وعن ابن جريج قَالَ : لَزِمت عطاء ثماني عشرة سنة , وكان بعد ما كبر وضعف , يقوم إلى الصَّلاة فيقرأ مئتي آية من البقرة , وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك .
قَالَ عمر بن ذر : ما رأيت مثل عطاء بن أبي رباح , وما رأيت عليه قَمِيصًا قط , ولا رأيت عليه ثوبًا يساوي خمسة دراهم .
الأسود بن يزيد :
كان مجتهدًا في العبادة , يصوم حتى يخضر جسده ويصفر , وكان علقمة بن قيس يقول له :لم تعذِّب هذا الجسد ؟! فيقول : راحة هذا الجسد أريد , فلمّا احتضر بكى , فقيل له : ما هذا الجزع ؟ قَالَ : مَالِي لا أجزع ؟! ومن أحق بذلك مني ؟! والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل ؛ لهمني الحياء منه مما قد صنعته , إن الرجل ليكون بينه وبين الرَّجل الذنب الصغير , فيعفو عنه ؛ فلا يزال مستحيًا منه . ولقد حجَّ الأسود ثمانين حجة .
طاوس بن كيسان :
الفقيه إمام أهل اليمن النُّجباء , طاوس الزُّهاد والعلماء .
عن داود بن إبراهيم , أن الأسد حبس النَّاس ليلة في طريق الحج , فدق النَّاس بعضهم بعضًا , فلمّا كان في السّحر ذهب عنهم ؛ فنزل النَّاس يمينًا وشمالا , وألقى النَّاسُ أنفسهم فناموا , وقام طاووس يُصلِّي , فقال رجل لطاووس : ألا تنام فإنك نصبت الليلة ؟ قَالَ طَاووس : وهَلْ يَنَامُ السَّحر .
وكان لطاووس طريقان إلى المسجد , طريق في السُّوق , وطريق آخر , فكان يأخذ في هذا يومًا وفي هذا يومًا , فإذا مرَّ في طريق السُّوق فرأى تلك الرؤس المشوية ؛ لم ينعس تلك الليلة .
وكان طاوس يجلس في بيته , فقيل له في ذلك فقال : حيف الأئمة وفساد النَّاس.
قَالَ مجاهد لطاوس : يا أبا عبد الرحمن ! رأيتك تصلِّي في الكعبة , والنبي عليه السلام على بابها , يقول لك : اكشف قناعك , وبين قراءتك , قَالَ : اسكت لا يسمعن هذا منك أحد , حتى تخيل اليه أنه انبسط من الحديث .
أتى طاوس رجلا في السحر , فقالوا : هو نائم , قَالَ : ما كنت أرى أن أحدا ينام في السحر .
قَالَ رجل لطاوس : ادع الله لنا , قَالَ : ما أجد في قلبي خشية فأدعو لك .
توفي طاوس بالمزدلفة أو بمنى , فلما حمل أخذ عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب بقائمة السَّرير , فما زايله حتى بلغ القبر .
محمد بن واسع :
الإمام العامل , والخاضع الخامل , أدمى الحزن قلبه , ما قعد ولا قام مقام سوء حتى لقي ربه .
قَالَ سُليمان التيمي : ما أحد أحب أن ألقى الله بمثل صحيفته , مثل محمد بن واسع .
وعن ابن واسع : إن الرَّجل ليبكي عشرين سنة , وامرأته معه لا تعلم .
وقال جعفر بن سليمان : كنت إذا وجدت من قلبي قسوة ؛ غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع , كان كأنه ثكلى .
قَالَ حماد بن زيد : قَالَ رجل لمحمد بن واسع : أوصني , قَالَ : أُوصِيك أن تكون ملكًا في الدنيا والآخرة , قَالَ : كيف ؟ قَالَ : ازهد في الدُّنيا .
وعنه قَالَ : طُوبى لمن وجد عشاء ولم يجد غداء , ووجد غداء ولم يجد عشاء , والله عنه راضٍ .
قَالَ ابن شوذب : قَسَم أمير البصرة على قرائها , فبعث إلى مالك بن دينار ؛ فأخذ , فقال له ابن واسع : قبلت جوائزهم ؟ قَالَ : سَلْ جُلَسَائي , قالوا : يا أبا بكر اشتر بها رقيقًا فأعتقهم , قَالَ : أنشدك الله أقلبك السّاعة على ما كان عليه قبل أن يجيزك ؟! قَالَ : اللهم لا , قَالَ : أَيُّ شيء دخل عليك ؟ فقال مالك لجلسائه : إنما مالك حمار , إنما يعبد الله محمد بن واسع .
قَالَ ابن عيينة : قَالَ ابن واسع : لو كان للذنوب ريح ما جلس إليَّ أحد .
قَالَ الاصمعي : لما صاف قتيبة بن مسلم للترك , وهاله أمرهم , سأل عن محمد بن واسع , فقيل : هو ذاك في الميمنة , جامح على قوسه , يُبصبص بأصبعه نحو السَّماء , قَالَ : تلك الإصبع أحب إلي من مائة ألف سيفٍ شهير , وشابٍ طرير .
قَالَ ابن واسع وهو في الموت : يا إخوتاه تدرون أين يُذهب بي ؟ والله إلى النّار , أو يعفو الله عني .
وقال : يكفي من الدُّعاء مع الورع , يسير العمل .
وعن محمد بن واسع , وقيل له : كيف أصبحت ؟ قَالَ : قَرِيبًا أجلي , بعيدًا أملي , سيئًا عملي .
وقيل اشتكى رجل من ولد محمد بن واسع إليه , فقال لولده : تستطيل على النَّاس , وأمك اشتريتها بأربع مائة درهم , وأبوك فلا كثر الله في المسلمين مثله , وقيل : إنه قَالَ لِرَجُلٍ : هَلْ أَبْكَاكَ قَط سَابِق عِلْم الله فِيك ؟!
وعن أبي الطيب موسى بن يسار , قَالَ : صحبت محمد بن واسع إلى مكة , فكان يصلي الليل أجمعه , يصلي في المحمل جالسا , ويومئ
هَرِم بن حيان :
كان دائم الحزن , سريع الدَّمع , عظيم الخوف من الله سبحانه وتعالى .
بات هرم بن حيان العبدى عند حممة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم , قَالَ : فبات حممة ليلته يبكي كلها حتى أصبح , فلما أصبح , قَالَ لَهُ هرم : يا حممة ! ما أبكاك ؟ قَالَ : ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور , فتخرج من فيها , وتناثر نجوم السَّماء ؛ فأبكاني ذلك , وكانا يصطحبان أحيانًا بالنَّهار , فيأتيان سوق الريحان , فيسألان الله تَعَالَى الجنة , ويَدْعُوان , ثم يأتيان الحدّادين , فيتعوذان من النار , ثم يفترقان إلى منازلهما .
كان هرم بن حيان يخرج في بعض الليل , وينادي بأعلى صوته عجبت من الجنة , كيف ينام طالبها ؟ وعجبت من النار , كيف ينام هاربها ؟ ثم قرأ : {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ } [سورة الأعراف : 97]
عن مالك بن دينار , قَالَ : اسْتُعْمِل هرم بن حيان , فظن أن قومه سيأتونه , فأمر بنار فأوقدت بينه وبين من يأتيه من القوم , فجاءه قومه يُسَلِّمون عليه من بعيد , فقال : مرحبًا بقومي , ادنوا , قالوا : والله ما نستطيع أن ندنو منك , لقد حالت النار بيننا وبينك , قَالَ : وأنتم تريدون أن تَلْقَوْني في نار أعظم منها ؛ في نار جهنم , قَالَ : فَرَجَعُوا


ثابت البناني :
المتعبد النّاحل , المتهجد الذّابل , قد أحب الصَّلاة حتى تمنى الصَّلاة بعد انقطاع العمل .

كان ثابت البناني يقول : اللهم إن كنت أعطيت أحدًا من خلقك أن يُصَلِّي لك في قبره فأعطنيه .
قَالَ الذَّهبي : فيقال : إن هذه الدعوة استجيبت له , وإنه رُئِي بعد موته يصلي في قبره - فيما قيل .
وكان يقول ثابت رحمه الله : ما أكثر أحد ذكر الموت , إلا رُئي ذلك في عمله .
وقال ثابت رحمه الله : كابدت الصَّلاة عشرين سنة , وتنعمت بها عشرين سنة .
قَالَ شعبة : كان ثابت البناني يقرأ القرآن في كُلِّ يوم وليلة , ويصوم الدَّهر .
وقال حماد بن زيد : رأيت ثابتًا يبكي حتى تختلف أضلاعه .
وقال جعفر بن سُليمان : بكى ثابت حتى كادت عينه تذهب , فنهاه الكحّال عن البكاء , فقال : فما خيرهما إذا لم يبكيا ؟! وأبى أن يعالج .
وقال حماد بن سلمة : قرأ ثابت : {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}[سورة الكهف: 37 ]وهو يصلي صلاة الليل ينتحب ويُرَدِّدها .
عبد الله بن عون :
الإمام العلم , الحافظ لِلِسَانه , الضابط لأركانه , كان للقرآن تاليًا , ولأعراض المسلمين عافيا .
عن خارجة , قَالَ : صَحِبْتُ ابن عون أربعًا وعشرين سنة , ما سمعت منه كلمة أظن عليه فيها جُنَاح .
وعن سلام بن أبي مطيع , قَالَ : كَانَ ابْنُ عَوْن أَمْلَكُهُم لِلِسَانِه .
عن معاذ بن معاذ -واحد من أصحاب يونس بن عبيد -أنه قَالَ : إِنِّي لأعرف رجلًا منذ عشرين سنة , يتمنى أن يَسْلَمَ له يوم من أيام ابن عون , فما يقدر عليه .
وقال ابن المبارك : ما رأيت مُصَلِّيا مثل ابن عون .
وعن ابن عون , أن أمه نادته فأجابها , فعلا صوته صوتها ؛ فأعتق رقبتين .
قَالَ بكار السيريني : صحبت ابن عون دهرًا , فما سمعته حالفًا على يمين , برةً ولا فاجرة .
وكان ابن عون إذا صلى الغداة , يمكث مستقبل القبلة في مجلسه , يذكر الله , فإذا طلعت الشمس صلَّى , ثم أقبل على أصحابه .
قَالَ قُرَّة بن خالد : كنا نعجب من ورع محمد بن سيرين , فأنساناه ابن عون .
قَالَ بكار بن محمد : كان ابن عون يصوم يومًا , ويفطر يومًا .
قَالَ معاذ بن معاذ : ما رأيت رجلًا أعظم رجاء لأهل الإسلام من ابن عون , لقد ذُكِرَ عنده الحجّاج وأنا شاهد , فقيل : يزعمون أنك تستغفر له ؟ فقال : مالي لا أستغفر للحجّاج من بين النَّاس ؟ وما بيني وبينه ؟ وما كنت أبالي أن استغفر له السّاعة .
قَالَ بكار بن محمد : كان ابن عون إن وصل إنسانًا بشيء ؛ وصله سرًا , وإن صنع شيئًا صنعه سرًّا , يكره أن يطَّلع عليه أحد .
عامر بن عبد قيس :
العابد العالم , الخائف الوجل , أضَرَّ ببدنه ليتنعم به في الآخرة .
قَالَ عَامِرُ بن عبد قيس : لأجتهدن فإن نجوت فبرحمة الله , وإن دخلت النّار فلبعد جَهْدِي .
وكان يقول : ما أبكي على دنياكم رغبة فيها , ولكن أبكي على ظمأ الهواجر , وقيام ليل الشِّتاء , وقيل له : إن الجنة تدرك بدون ما تصنع ! وإن النار تتقى بدون ما تصنع ! فيقول : لا حتى لا ألوم نفسي , ومرض فبكى , فقيل له : ما يبكيك وقد كنت وقد كنت .. فيقول : مالي لا أبكي ! ومن أحق بالبكاء مني ! والله ما أبكي حرصًا على الدنيا , ولا جزعًا من الموت , ولكن لبعد سفري , وقلة زادي , وإني أمسيت في صعودٍ وهبوطٍ , جنةٍ أو نار , فلا أدري إلى أيهما أصير .
وعن الحسن أن عامرًا كان يقول : من أُقرئ ؟ فيأتيه ناس فيقرئهم القرآن , ثم يقوم فيصلِّي إلى الظُّهر , ثم يُصَلِّي إلى العصر , ثم يُقرئ النَّاس إلى المغرب , ثم يصلي ما بين العشاءين , ثم ينصرف إلى منزله , فيأكل رغيفًا وينام نومةً خفيفة , ثم يقوم لصلاته , ثم يتسحر رغيفًا ويخرج .
وكان عامر بن عبد قيس لا يزال يُصَلِّي من طلوع الشمس إلى العصر , فينصرف وقد انفتحت ساقاه , فيقول : يا أمارة بالسُّوء إنما خلقت للعبادة , وهبط واديًا به عابد حبشي فانفرد يصلي في ناحية ؛ والحبشي في ناحية أربعين يومًا لا يجتمعان إلا في فريضة.
ومَرَّ عامر بن عبد قيس في الرَّحبة , وإذا برجل يُظْلَم , فألقى رداءه , وقال : لا أرى ذمة الله تخفر وأنا حي ؛ فاستنقذه , ويُرْوى أن سبب إبعاده إلى الشّام كونه أنكر وخلَّص هذا الذِّمي , ولما سُير عامر بن عبد الله ؛ شيعه إخوانه , وكان بظهر المربد , فقال : إني داعٍ فأمنوا : اللهم من وشي بي , وكَذَبَ عَلَي وأخرجني من مصري , وفرق بيني وبين إخواني , فأكثر ماله , وأَصِحَّ جسمه , وأطل عمره .
قَالَ قتادة : لما احتضر عامر بكى , فقيل : ما يُبكيك , قَالَ : ما أَبْكِي جزعًا من الموت , ولا حرصًا على الدنيا , ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل .
منصور بن المعتمر :
حليف الصيام والقيام , من أحسن النَّاس صلاة , و أسردهم صياما .
عن الثوري قَالَ : لو رأيت منصورًا يصلي لقلت يموت الساعة .
وكان منصور من العُبّاد صام ستين سنة وقامها , وكان جيرانه يحسبونه بالليل في الصيف خشبةً قائمة , فلما مات كانوا يقولون الخشبة ما فعلت !
قالت ابنة لجار منصور بن المعتمر لأبيها : يا أبت ! أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة ؟! قَالَ : يا بنية ! ذاك منصور كان يقوم بالليل .
وكان منصور يصلي في سطحه فلمّا مات ، قَالَ غلامٌ لأمه : يا أمه الجذع الذي كان في سطح آل فلان ليس أراه ، قالت : يا بني ليس ذاك جذعًا ؛ ذاك منصور قد مات .
وصام منصور وقام , وكان يأكل الطَّعام ؛ ويُرى الطَّعام في مجراه .
وعن زائدة أن منصور بن المعتمر : صام ستين سنة , يقوم ليلها , ويصوم نهارها , وكان يبكي ، فتقول له أمه : يا بني قتلت قتيلا ! فيقول : أنا أعلم بما صنعت بنفسي , فإذا كان الصُّبح كحل عينيه , ودهن رأسه , وفرق شفتيه , وخرج إلى النَّاس .
وعن سفيان وذكر منصورًا بن المعتمر , فقال : قد كان عمش من البكاء .
عن أبي بكر بن عياش قَالَ : ربما كنت مع منصور في منزله جالسًا فتصيح به أمه وكانت فظة غليظة ، فتقول : يا منصور ! يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبي عليه ! وهو واضع لحيته على صدره ؛ ما يرفع طرفه إليها , وكان يقول للأم ثلاثة أرباع البر .
وكانت أم منصور تقول له : يا بني إن لعينك عليك حقًا , ولجسمك عليك حقًا ، فكان يقول لها منصور : دعي عنك منصورًا , فإن بين النفختين نومًا طويلا .
سفيان الثوري :
لقد ضرب سفيان المثل في العبادة , حتى ترأس على أهل زمانه - رحمه الله . فلقد كان عابدًا متنسكًا ، قائمًا بأمر الله ، لا يعيقه عائق , ولا يخشى في الله لومة لائم .
قَالَ سُفْيَان بن عيينة : ما رأيت رجلًا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري .
وعن أبي عاصم النبيل قَالَ : سمعت سفيان يقول : كان الرَّجل إذا أراد أن يطلب العلم ؛ تعبد قبل ذلك عشرين سنة .
قَالَ مؤمل بن إسماعيل : قَدِمَ سفيان مكة فكان يُصلِّي الغداة ويجلس يذكر الله حتى ترتفع الشمس , ثم يطوف سبعة أسابع - أشواط - يُصلي بعد سبوع ركعتين يطولهما , ثم يصلي إلى نصف النَّهار , ثم ينصرف إلى البيت , فيأخذ المصحف فيقرأ , فربما نام كذلك , ثم يخرج لنداء الظهر , ثم يتطوع إلى العصر , فإذا صلى العصر أتاه أصحاب الحديث فاشتغل معهم إلى المغرب , فيصلي ثم ينتقل إلى العشاء ؛ فإذا صلَّى فربما يقرأ ثم ينام .
وعن يوسف بن أسباط , قَالَ : قَالَ لي سُفيان بعد العشاء : ناولني المطهرة أتوضأ , فناولته فأخذها بيمينه , ووضع يساره على خدِّه , فبقي مفكرًا ونمت , ثم قمت وقت الفجر , فإذا المطهرة في يده كما هي , فقلت : هذا الفجر قد طلع , فقال : لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى السّاعة .
وقال عبدالرزاق : دعا الثوري بطعامٍ ولحم , فأكله ثم دعا بتمر وزبد فأكله , ثم قام يصلي , وقال : أحسن إلى الزِّنجي وَكُدَّه .
وقال عبد الرَّزاق أيضًا : لما قدم سفيان علينا , طبخت له قدر سَكْبَاج فأكل , ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل , ثم قَالَ : يا عبد الرَّزاق أَعْلِف الحمار وَكُدَّه , ثم قام يصلي .
وكان قد تغدَّى , وأتى برطب فأكل , ثم قام إلى الصَّلاة فصلَّى ما بين الظهر والعصر , ثم قَالَ : يقال : إذا زِدت في قَضِيم الحمار , فزِد في عَمَلِه .
وعن أبي خالد الأحمر قَالَ : أكل سفيان ليلةً فشبع فقال : إن الحمار إذا زيد في عَلَفِه زيد في عمله , فقام حتى أصبح .


عبد الله بن المبارك :
الإمام السَّخي الجواد , أليف القرآن والحج والجهاد .
قَالَ إسماعيل بن عياش : ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك , ولا اعلم أن الله خلق خَصْلَةً من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك , ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يُطعمهم الخبيص , وهو الدهر صائم .
وكان عابدًا زاهدًا ورعًا , يُخْفِي ذلك ما استطاع .
قَالَ محمد بن الوزير -وصي ابن المبارك - : كنت مع عبد الله في المحمل فانتهينا إلى موضعٍ بالليل وكان ثم خوف ، قَالَ : فنزل ابن المبارك , وركب دابته حتى جاوزنا الموضع فانتهينا إلى نهر , فنزل عن دابته وأخذت أنا مقودته واضطجعت , فجعل يتوضأ ويصلي , حتى طلع الفجر ؛ وأنا أنظر إليه , فلما طلع الفجر ناداني ، قَالَ : قُمْ فتوضأ ، قَالَ : قلت : أنا على وضوء , فركبه الحزن حيث علمت أنا بقيامه , فلم يُكلمني حتى انتصف النهار , وبلغت المنزل معه .
وقال الحسن بن عرفة : قَالَ لِي ابن المبارك : استعرت قلمًا بأرض الشّام فذهبت على أن أرده إلى صاحبه , فلمّا قدمت مرو نظرت فإذا هو معي , فرجعت إلى الشّام حتى رددته على صاحبه .
لقد ملك ابن المبارك القلوب بدينه وسخائه حتى فاقت شهرته الرَّشيد .
قدم أمير المؤمنين الرَّشيد الرقة , فانجفل النَّاس خلف ابن المبارك , وتقطعت النِّعال , وارتفعت الغبرة , فأشرفت أم ولدٍ لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب ، فقالت : من هذا ؟ قالوا : عالم من أهل خراسان قَدِم ، قالت : هذا والله الملك ؛ لا ملك هارون الذي لا يجمع النَّاس إلا بشرطٍ وأعوان .
حسان بن أبي سنان :
حافظ الطرف واللسان , ثابت القلب و الجنان , من رآه خاله أبدًا مريضًا , خفي العبادة دائم الطّاعة .
قالت امرأة حسّان بن أبي سنان : كان يجيئني فيدخل معي في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها , فإذا عَلِم أني قد نمت سَلَّ نفسه فخرج , ثم يقوم فيصلي ، قالت : فقلت له : يا أبا عبد الله ! كم تُعذب نفسك ! ارفق بنفسك ، قَالَ : اسكتي ! ويحك , يُوشِكُ أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانًا .
وخرج حسّان يوم العيد , فلمّا رجع قالت له امرأته : كم من امرأة حسنة نظرت إليها اليوم ورأيتها , فلمّا أكثرت , قَالَ : ويحك ! ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك حتى رجعت إليك .
قيل له : في مرضه الذي مات فيه كيف تجدك ؟! قَالَ : بخيرٍ إن نجوت من النار ، فقيل : له فما تشتهي ؟ قَالَ : ليلة بعيدة ما بين الطرفين ؛ أُحيى ما بين طرفيها .
الحسن بن صالح حي :
الفقيه العابد , والعالم الزاهد , محيي الليل بالقرآن طارت بسيرته الرُّكبان .
فعن أبي سليمان الدّاراني قَالَ : ما رأيت أحدًا الخوف والخشوع أظهر على وجهه من الحسن بن حي , قام ليلة حتى أصبح ب {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ}[سورة النبأ : 1 ] يُردد آية فغشي عليه ؛ ثم عاد إليها فغشي عليه , فلم يختمها حتى طلع الفجر .
وكان لهم - يعني لآل الحسن بن صالح بن حي -خادم يخدمهم , فاحتاجوا إلى بيعها فباعوها , فلما كان في أول الليل ذهبت وألحت على مولاها تقيمه , وتقول : ذهب الليل ! مرة بعد مرة , حتى أضجرته فصاح بها , قالت : فلمّا أصبحت ذهبت إلى عند الحسن , فقالت : يا سبحان الله ! ما كان يجب عليكم فيما خدمتكم أن تبيعوني من مسلم ! فقال الحسن : سبحان الله ! وما له ؟ قَالَت : انتظرت ليقوم ليتهجد فلم يفعل , فألححت عليه فزبرني وشتمني , قَالَ : فَصَاحَ يا علي ! وقال : ما تعجب من هذه ! اذهب فتسلف ثمنها من بعض إخواننا وأعتقها .
قَالَ وكيع بن الجراح : كان علي والحسن ابنا صالح بن حي وأمهم قد جزَّؤوا الليل ثلاثة أجزاء , فكان عليُّ يقوم الثلث , ثم ينام , ويقوم الحسن الثلث , ثم ينام , وتقوم أمهما الثلث , فماتت أمهما , فجزءا الليل بينهما , فكانا يقومان به حتى الصّباح , ثم مات علي , فقام الحسن به كله .
أبو سليمان الداراني :
كان مداومًا على العبادة , ملازمًا للطاعة , شغله هم الآخرة عن كُلِّ هم .
عن أبي سليمان الدَّراني قَالَ : إنما هانوا عليه فعصوه , ولو كرموا عليه لمنعهم منها .
وقال : إذا وصلوا إليه لم يرجعوا عنه أبدًا , إنما رجع من رجع من الطَّريق .
وعن أبي سليمان الدَّراني يقول : بينا أنا ساجد إذ ذهب بي النَّوم , فإذا أنا بها يعني الحوراء قد ركضتني برجلها ، فقالت : حبيبي ترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين وتهجدهم , بؤسى لعينٍ آثرت لذَّة نومة على لذة مناجاة العزيز , قم فقد دنا الفراغ , ولقي المحبون بعضهم ببعض فما هذا الرُّقاد , حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وأنا أُرَبّى لك في الخدور منذ كذا وكذا , فوثبت فزعًا , وقد عرقت استحياءً من توبيخها إياي , وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي .


ومن أئمة الهدى التي فاقت هممهم حال مرضهم وانشغالهم همم مئات طلبة العلم حال تفرغهم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ

فقد نقل الإمام ابن القيم ـ رحمه لله ـ قوله :

"وحدثني شيخنا _ ابن تيمية_:
قال: ابتدأني مرض..
فقال لي الطبيب :إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض..
فقلت له: لا أصبر على ذلك..
وأنا أحاكمك إلى علمك..
أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة فدفعت المرض?!!..
فقال : بلى .
فقلت له : [size=25]فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة.

فقال: هذا خارج عن علاجنا.."



[روضة المحبين ص70]

فسبحان الله
[/size]
[size=25]ابن الجوزي والنووي والسيوطي ـ رحمهم الله ـ





عندما نعلم أننا نحن .. شباب العرب والمسلمين .. قد أضعنا الكثير من أيامنا في تفاهات الأمور .. وأن يومنا إما نوما بالنهار .. أو سهرا بالليل أمام التلفاز .. فإننا نتأكد أن علماءنا السابقين لم يكونوا مجرد عباقرة .. أو عمالقة .. بل كانوا أيضا أساطير الزمن الأول بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
إن الهمة العالية أو علو الهمة هي المنقبة المشتركة بين علماء العرب والمسلمين في القرون الماضية سواء كان ذلك في العلوم الشرعية أو العلوم الطبيعية .. وكل منهم يحتاج إلى دهر للحديث عن مناقبه وآثاره .. وكيف ملأوا الدنيا علما وقدموا للإسلام كل غال ونفيس.
إننا نتحدث سريعا عن ثلاثة من أئمة علماء المسلمين كنماذج رائعة قلّ أن يجود الزمان بمثلها لما اشتهروا به من كثرة التأليف وتعدد التصنيف .. فلعلهم .. هؤلاء الثلاثة .. ابن الجوزي والنووي والسيوطي .. هم الأكثر تأليفا وتصنيفا للكتب بين العلماء.






نماذج مدهشة


كان أبو بكر بن عياش يقول " لو سقط من أحدهم درهم لظل يومه يقول : إن الله ذهب درهمي , وهو يذهب عمره ولا يقول : ذهب عمري , وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات , ويحفظون الساعات , ويلازمونها بالطاعات "(1)
من أجل هذا أنجزوا الأعمال العظيمة في أعمار قصيرة



فهذا الإمام أبوزكريا بن شرف الدين النووي يموت في الخامسة والأربعين من عمره (631-676 هـ ) ويترك من المؤلفات ماقسموه بعد موته على أيام حياته فكان نصيب كل يوم أربع كراريس فكيف تم له ذلك ؟ اسمع منه يجبك :
"وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض" .. فقد كان ينام على الكتب وإذا استيقظ من غفوته يتحسر ويسترجع متخيلا أنه أضاع الكثير من عمره في هذه الغفوة بين الكتب !!
ولقد كافأ الله ذكراه بكتبه ومؤلفاته التي لا تزال تنتشر في العالم الإسلامي .. ولعل كتابا مثل [ رياض الصالحين ] هو أشهرها على الإطلاق .. ولا أبالغ .. إذا قلت أنه أكثر وأشهر الكتب طباعة وانتشارا بعد كتاب الله : القرآن الكريم فلا تجد بلدا ولا بيتا من بيوتات المسلمين ولا مسجدا إلا وجدت فيه كتاب [ رياض الصالحين ] ... فما أجمل الإخلاص لله جل وعلا .. وما أعظم الهمم العالية !




وهذا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزي المتوفى سنة (597 هـ ) يقول :
" كتبت بأصبعىّ هاتين ألفىّ مجلد , وتاب على يدي مائة ألف , وأسلم على يديّ عشرون ألف يهودي ونصراني " , وقال أيضا : " لو قلت أنى قد طالعت عشرين ألف مجلد , كان أكثر وأنا بعد في الطلب " , وقال عنه صاحب كتاب الكنى والألقاب : " إن براية أقلام ابن الجوزي التي كتب بها الحديث جمعت فحصل منها شيء كثير فأوصى أن يسخن بها الماء الذي يَغسل ّ به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها "(2)




ويحدثنا الإمام ابن الجوزي عن نفسه وقت الصغر.. يقول رحمه الله تعالى :
" أذكر نفسي ولى همة عالية , وأنا في المكتب ابن ست سنين , وأنا قرين الصبيان الكبار , قد رزقت عقلا وافرا في الصغر يزيد على عقل الشيوخ , فما أذكر أنى لعبت في طريق مع الصبيان قط , ولا ضحكت ضحكا خارجا , حتى أنى أذكر أنى كنت ولى سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع , فلا أتخير حلقة مشعبذ , بل أطلب المحدّث , فيتحدث بالسير , فأحفظ جميع ما أسمعه , وأذهب إلى البيت فأكتبه "(3)


هذه الهمة العالية بدت في بواكيرها أيضا لدى الإمام النووي وهو صغير فقد حدثت له ( وهو ابن عشر سنين) حادثة لطيفة دلت منذ صغره على تميزه واختيار الله له ليكون من العلماء العاملين , وذلك أنه في سنة نيف وأربعين وستمائة مر بقرية " نوى" ( من أعمال منطقة " حوران" فى جنوب البلاد السورية) الشيخ " ياسين بن يوسف المراكشي" .. وكان من العارفين الزاهدين .. فرأى الصبيان يلعبون ويكرهون النووي على اللعب معهم , وهو يهرب منهم ويبكى ممسكا بالقرآن –وهو يقرأ ويحفظ على تلك الحال أثناء اللعب ، فقال الشيخ ياسين : " فوقع في قلبي محبته , فأتيت الذي يقرئه القرآن , فوصيته به , وقلت له : هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم , وينتفع به الناس " , فقال لي : " أمنجم أنت ؟ " فقلت : " لا, وإنما أنطقني الله بذلك " , فذكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن .. وقد ناهز الحلم.





ولنترك الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبى بكر السيوطي, أحد أفراد الدهر علما وتصنيفا وإمام وقته شهرة وذيوعا يحدثنا عن نفسه .. فكان يعتد بنفسه مفتخرا بعلمه .. يقول رحمة الله (توفى 911 هـ ) في كتابه (حسن المحاضرة)(4):
" كان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد , مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة , وحملت في حياة أبى إلى الشيخ أبى محمد المجذوب .. رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد الحسيني .. فبارك علىّ , ونشأت يتيما , فحفظت القرآن ولى دون ثمان سنين , ثم حفظت العمدة ومنهاج الفقه والنحو على جماعة من الشيوخ , وأخذت الفرائض عن علامة زمانه الشيخ شهاب الشارمساحيّ , الذي كان يقال له : بلغ السنّ العالية , وجاوز المائة بكثير , قرأت عليه شرحه , وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين وثمانمائة . وقد ألّفت في هذه السنّ , فكان أول شيء ألفته شرح الاستعاذة والبسملة , وأوقفت عليه شيخنا علم الدين البلقينيّ , فكتب عليه تقريظا , ولازمته في الفقه إلى أن مات , فلزمت ولده , وقرأت عليه من أوّل التدريب لوالده إلى الوكالة , وسمعت من أول التنبيه إلى الزكاة , وقطعة من الروضة من باب القضاء وقطعة من شرح المنهاج للزركشى ومن إحياء الموت إلى الوصايا أو نحوها وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين وثمانمائة , وحضر تصديري . ولما توفىّ سنة ثمان وسبعين وثمانمائة , لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناويّ, فقرأت عليه قطعة من المنهاج , وسمعته عليه في التقسيم؛ إلا مجالس فاتتني , وسمعت عليه دروسا من شرح البهجة ومن حاشيتها عليها. ومن تفسير البيضاوي , ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقيّ الدين الشبكيّ الحنفي , فواظبته أربع سنين . ولم أنفك عن الشيخ إلى أن مات. ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة , فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك , وكتب لى إجازة عظيمة . وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفيّ دروسا عديدة في الكشاف والتوضيح وحاشية عليه وتلخيص المفتاح والعضد. وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتّكرور . وّلما حججت شربت من ماء زمزم لأمور ؛ منها أن أصل في الفقه إلى رتبه الحافظ ابن حجر . وعقدت مجالس إملاء الحديث من مستهلّ سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة. ورزقت التبحر في سبعة علوم : التفسير , والحديث , والفقه, والنحو, والمعاني , والبديع , والبيان ؛ على طريق العرب والبلغاء ؛ لاعن طريق العجم وأهل الفلسفة ؛ والذي أعتقد أنّ الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها لم يصل إليها أحد من أشياخي فضلا عمن دونهم ؛ وأما الفقه فلا أقول منه ذلك , بل شيخي فيه أوسع نظرا , وأطوع باعا ... "
ثم أخذ يعدد كتبه إلى حين تأليف كتابه فذكر منها ثلاثمائة كتاب في التفسير والقراءات والحديث والفقه والأجزاء المفردة والعربية والآداب.
وقد عدّ له الأستاذ بروكلمان (415) مؤلفا بين مطبوع ومخطوط , وذكر له الأستاذ فلوغل والأستاذ جميل العظم قريبا من هذا العدد وقال ابن إياس : " بلغت مؤلفاته 600 مؤلف "(5)





المراجع :
(1) الياقوتة لابن الجوزي ص (58) – ط دار الفضيلة .
(2) من كتاب قيمة الزمن عند المسلمين – عبد الفتاح أبوغدة – ط دار القيم ومن كتاب سباق نحو الجنان – د/ خالد أبو شادي – ط دار البشير – مصر 2000
(3) الأذكياء لابن الجوزي – ط الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2003 .
(4) انظر ترجمته في : حسن المحاضرة له 1 / 288 وما بعدها , الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة لنجم الدين محمد بن محمد الغزي 1/ 227 وما بعدها , بهجة العابدين للشاذلي ص 56 وما بعدها , الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع للسخاوي 1/205 وما بعدها.
(5) من مقدمة الإتقان في علوم القرآن للسيوطي – تحقيق أبو الفضل إبراهيم ط دار التراث القاهرة / 1967


[/size][/size]

_________________











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://al-baraa.yoo7.com
 
همم تعالت عن قمم الجبال ..هكذا كونوا أو لا تكونوا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات البراء الاسلامية :: استراحة المنتدى :: منتدى القصص والروايات-
انتقل الى: